Al-Furqaan
الجامع لأحكام القرآنVoici le texte arabe d’un tafsîr classique tel que la Quranic Universal Library (QUL, de Tarteel) le donne, pris dans la copie ouverte des données de QUL que conserve spa5k/tafsir_api. QUL ne dit pas quelle édition imprimée elle suit et n’indique aucune licence pour les textes, si bien que le droit de les montrer n’est pas vérifié. Personne ne l’a comparé à un livre imprimé ni à un manuscrit, et aucun savant ne l’a relu. Chaque passage se tient à côté des versets qu’il commente, qui sont le texte coranique de Tanzil, montré tel qu’il y est. Là où le texte porte une note d’éditeur, entre doubles crochets, elle est montrée telle quelle. Il n’y a pas encore de traduction.
Texte deQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITpris le 2026-10-21
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا 20
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ قالوا: "مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا عَيَّرَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بالفاقة وقالوا: "مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ" الْآيَةَ حَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِذَلِكَ فَنَزَلَتْ تَعْزِيَةً لَهُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! اللَّهُ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: "وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ" أَيْ يَبْتَغُونَ الْمَعَايِشَ فِي الدُّنْيَا. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ إِذَا دَخَلَتِ اللَّامُ لَمْ يَكُنْ فِي إِنَّ "إِلَّا الْكَسْرُ، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ اللَّامُ مَا جَازَ أَيْضًا إِلَّا الْكَسْرُ، لِأَنَّهَا مُسْتَأْنَفَةٌ. هَذَا قَوْلُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ. قَالَ النَّحَّاسُ: إِلَّا إِنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ حَكَى لَنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: يَجُوزُ فِي" إِنَّ "هذه الفتح ون كَانَ بَعْدَهَا اللَّامُ، وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا مِنْهُ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ: وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ، وَالْمَعْنَى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ رُسُلًا إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، ثُمَّ حُذِفَ رُسُلًا، لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ:" مِنَ الْمُرْسَلِينَ "مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ. فَالْمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ الزَّجَّاجِ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ حَذْفُ الْمَوْصُولِ وَتَبْقِيَةُ الصِّلَةَ كَمَا قَالَ الْفَرَّاءُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْمَحْذُوفُ" مَنْ "وَالْمَعْنَى إِلَّا مَنْ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ. وَشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ:" وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ [[راجع ج ١٥ ص ١٣٧ وص ٣٦٦.]] مَعْلُومٌ"، وَقَوْلُهُ: "وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها" [[راجع ج ١١ ص ١٣٥.]] أَيْ مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ هُوَ وَارِدُهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْكِسَائِيِّ أَيْضًا. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: مَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَنْ إِنَّهُ لَيُطِيعُكَ [[في ك: ليعطيك، ليعطيك صلة.]]. فَقَوْلُكَ: إِنَّهُ لَيُطِيعُكَ صِلَةُ مَنْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ فَلَا يَجُوزُ حَذْفُهَا. وَقَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: الْمَعْنَى، وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا قِيلَ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا يُقالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾. وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: كُسِرَتْ "إِنَّهُمْ" بَعْدَ "إِلَّا" لِلِاسْتِئْنَافِ بِإِضْمَارِ وَاوٍ أَيْ إِلَّا وَإِنَّهُمْ. وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ: "لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ" كِنَايَةٌ عَنِ الْحَدَثِ. قُلْتُ: وَهَذَا بَلِيغٌ فِي مَعْنَاهُ، وَمِثْلُهُ "مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ" [[راجع ج ٦ ص ٢٥٠.]].
(وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) قَرَأَ الْجُمْهُورُ "يَمْشُونَ" بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ. وَقَرَأَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَوْفٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَشَدِّ الشِّينِ الْمَفْتُوحَةِ، بِمَعْنَى يُدْعَوْنَ إِلَى الْمَشْيِ وَيُحْمَلُونَ عَلَيْهِ. وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى يَمْشُونَ، قال الشاعر: وَمَشَّى بِأَعْطَانِ الْمَبَاءَةِ وَابْتَغَى ... قَلَائِصَ مِنْهَا صَعْبَةٌ وَرَكُوبُ [[في روح المعاني: "ذلول" بدل "ركوب".]]
وَقَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:
مِنْهُ تَظَلُّ سِبَاعُ الْجَوِّ [[الجو: البر الواسع. وضامزة: ساكنة، وكل ساكت فهو ضامز. والاراجيل: جمع أرجال كأناعيم جمع أنعام، وأرجال جمع رجل. يصف الشاعر أسدا بأن الأسود والرجال تخافه، فالاسود ساكنة من هيبته والرجال ممتنعة عن المشي بواديه.]] ضَامِزَةً ... وَلَا تُمَشِّي بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ
بمعنى تمشى. الثالثة- هذه الآية أصل فتناول الْأَسْبَابِ وَطَلَبِ الْمَعَاشِ بِالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، لَكِنَّا نَذْكُرُ هُنَا مِنْ ذَلِكَ مَا يَكْفِي فَنَقُولُ: قَالَ لِي بَعْضُ مَشَايِخِ هَذَا الزَّمَانِ في كلام جرى: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَسُنُّوا الْأَسْبَابَ لِلضُّعَفَاءِ، فَقُلْتُ مُجِيبًا لَهُ: هَذَا قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ إِلَّا مِنَ الْجُهَّالِ وَالْأَغْبِيَاءِ، وَالرَّعَاعِ السُّفَهَاءِ، أَوْ مِنْ طَاعِنٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْعَلْيَاءِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ عَنْ أَصْفِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ بِالْأَسْبَابِ وَالِاحْتِرَافِ فَقَالَ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: "وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ" [[راجع ج ١١ ص ٣٢٠.]]. وَقَالَ: "وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ" قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَيْ يَتَّجِرُونَ وَيَحْتَرِفُونَ. وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي" وَقَالَ تَعَالَى: "فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً" [[راجع ج ٨ ص ١٥.]] وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَّجِرُونَ وَيَحْتَرِفُونَ وَفِي أَمْوَالِهِمْ يَعْمَلُونَ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ يُقَاتِلُونَ، أَتُرَاهُمْ ضُعَفَاءَ! بَلْ هُمْ كَانُوا وَاللَّهِ الْأَقْوِيَاءَ، وَبِهِمُ الْخَلَفُ الصَّالِحُ اقْتَدَى، وَطَرِيقُهُمْ فِيهِ الْهُدَى وَالِاهْتِدَاءُ. قَالَ: إِنَّمَا تَنَاوَلُوهَا لِأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الِاقْتِدَاءِ، فَتَنَاوَلُوهَا مُبَاشَرَةً فِي حَقِّ الضُّعَفَاءِ، فَأَمَّا فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ فَلَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ. قُلْتُ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الرَّسُولِ مَعَهُمُ الْبَيَانُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْقُرْآنِ "وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ" [[راجع ج ١٠ ص ١٠٨.]] وَقَالَ: "إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى " [[راجع ج ٣ ص ١٨٤.]] الآية. وهذا من البيات الهدى. وَأَمَّا أَصْحَابُ الصُّفَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا ضَيْفَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ ضِيقِ الْحَالِ، فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ خَصَّهُمْ بِهَا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَكَلَهَا مَعَهُمْ، وَكَانُوا مَعَ هَذَا يَحْتَطِبُونَ وَيَسُوقُونَ الْمَاءَ إِلَى أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. كَذَا وَصَفَهُمِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. ثُمَّ لَمَّا افْتَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْبِلَادَ وَمَهَّدَ لَهُمُ الْمِهَادَ تَأَمَّرُوا، وَبِالْأَسْبَابِ أُمِرُوا. ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، لِأَنَّهُمْ أُيِّدُوا بِالْمَلَائِكَةِ وَثُبِّتُوا بِهِمْ، فَلَوْ كَانُوا أَقْوِيَاءَ مَا احْتَاجُوا إِلَى تَأْيِيدِ الْمَلَائِكَةِ وَتَأْيِيدُهُمْ إِذْ ذَلِكَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ قَوْلٍ وَإِطْلَاقٍ يؤول إِلَى هَذَا، بَلِ الْقَوْلُ بِالْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِطِ سُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَالطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا كَانَ يَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ"- الْآيَةَ- مَقْصُورًا عَلَى الضُّعَفَاءِ، وَجَمِيعُ الْخِطَابَاتِ كَذَلِكَ. وَفِي التَّنْزِيلِ حَيْثُ خَاطَبَ مُوسَى الْكَلِيمَ "اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ" وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى فَلْقِ الْبَحْرِ دُونَ ضَرْبِ عَصًا. وَكَذَلِكَ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ "وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ" وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى سُقُوطِ الرُّطَبِ دُونَ هَزٍّ وَلَا تَعَبٍ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَلَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ يُلْطَفُ بِهِ وَيُعَانُ، أَوْ تُجَابُ دَعْوَتُهُ، أَوْ يُكْرَمُ بِكَرَامَةٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ أَوْ لِأَجْلِ غَيْرِهِ، وَلَا تُهَدُّ لِذَلِكَ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ والأمور الجميلة. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! لَا يُقَالُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ" فَإِنَّا نَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ، وَصَدَقَ رَسُولُهُ الْكَرِيمُ، وَإِنَّ الرِّزْقَ هُنَا الْمَطَرُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً" وَقَالَ: "وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ" وَلَمْ يُشَاهَدْ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْخَلْقِ أَطْبَاقُ الْخُبْزِ وَلَا جِفَانُ اللَّحْمِ، بَلِ الْأَسْبَابُ أَصْلٌ فِي وُجُودِ ذلك، وهو معنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اطْلُبُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ" أَيْ بِالْحَرْثِ وَالْحَفْرِ وَالْغَرْسِ. وَقَدْ يُسَمَّى الشيء بما يؤول إِلَيْهِ، وَسُمِّيَ الْمَطَرُ رِزْقًا لِأَنَّهُ عَنْهُ يَكُونُ الرِّزْقُ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خير له من يسأل أحد أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ" وَهَذَا فِيمَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ مِنَ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ. وَلَوْ قُدِّرَ رَجُلٌ بِالْجِبَالِ مُنْقَطِعًا عَنِ النَّاسِ لَمَا كَانَ لَهُ بُدٌّ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى مَا تُخْرِجُهُ الْآكَامُ وَظُهُورُ الْأَعْلَامِ حَتَّى يَتَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ ما يعيش بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" فَغُدُوُّهَا وَرَوَاحُهَا سَبَبٌ، فَالْعَجَبَ الْعَجَبَ مِمَّنْ يَدَّعِي التَّجْرِيدَ وَالتَّوَكُّلَ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَيَقْعُدُ عَلَى ثَنِيَّاتِ الطَّرِيقِ، وَيَدَعُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، وَالْمَنْهَجَ الْوَاضِحَ الْقَوِيمَ. ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى "وَتَزَوَّدُوا". وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى أَسْفَارِهِمْ بِغَيْرِ زَادٍ، وَكَانُوا الْمُتَوَكِّلِينَ حَقًّا. وَالتَّوَكُّلُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى الرَّبِّ فِي أَنْ يُلِمَّ شَعَثَهُ وَيَجْمَعَ عَلَيْهِ أَرَبَهُ، ثُمَّ يَتَنَاوَلُ الْأَسْبَابَ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. سَأَلَ رَجُلٌ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ عَلَى قَدَمِ التَّوَكُّلِ. فَقَالَ: اخْرُجْ وَحْدَكَ، فَقَالَ: لَا، إِلَّا مَعَ النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ إِذَنْ مُتَّكِلٌ عَلَى أَجْرِبَتِهِمْ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ "قَمْعُ الْحِرْصِ بِالزُّهْدِ وَالْقَنَاعَةِ وَرَدُّ ذل السؤال بالكتب والشفاعه". الرَّابِعَةُ- خَرَّجَ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ ألى الله أسواقها". وخرج البزاز عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَكُونَنَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ. وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ". أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ مُسْنَدًا عن أبى محمد عبد الغنى- مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ- عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَبِهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ". فَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ دُخُولِ الْأَسْوَاقِ، لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الَّتِي يُخَالِطُ فِيهَا الرِّجَالُ النِّسْوَانَ. وَهَكَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا لَمَّا كَثُرَ الْبَاطِلُ فِي الْأَسْوَاقِ وَظَهَرَتْ فِيهَا الْمَنَاكِرُ: كُرِهَ دُخُولُهَا لِأَرْبَابِ الْفَضْلِ وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي الدِّينِ
تَنْزِيهًا لَهُمْ عَنِ الْبِقَاعِ الَّتِي يُعْصَى اللَّهُ فِيهَا. فَحَقٌّ عَلَى مَنِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالسُّوقِ أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ مَحَلَّ الشَّيْطَانِ وَمَحَلَّ جُنُودِهِ، وَإِنَّهُ إِنْ أَقَامَ هُنَاكَ هَلَكَ، وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ اقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ ضَرُورَتِهِ، وَتَحَرَّزَ مِنْ سُوءِ عَاقِبَتِهِ وبليته.
الْخَامِسَةُ- تَشْبِيهُ النَّبِيِّ ﷺ السُّوقَ بِالْمَعْرَكَةِ تَشْبِيهٌ حَسَنٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ مَوْضِعُ الْقِتَالِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَعَارُكِ الْأَبْطَالِ فِيهِ، وَمُصَارَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. فَشَبَّهَ السُّوقَ وَفِعْلَ الشَّيْطَانِ بِهَا وَنَيْلَهُ مِنْهُمْ مِمَّا يُحَمِّلُهُمْ مِنَ الْمَكْرِ، وَالْخَدِيعَةِ، وَالتَّسَاهُلِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ وَالْكَذِبِ وَالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ، وَاخْتِلَاطِ الْأَصْوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِمَعْرَكَةِ الْحَرْبِ وَمَنْ يُصْرَعُ فِيهَا. السَّادِسَةُ- قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَمَّا أَكْلُ الطَّعَامِ فَضَرُورَةُ الْخَلْقِ لَا عَارَ وَلَا دَرْكَ [[الدرك (يسكن ويحرك): التبعة.]] فِيهِ، وَأَمَّا الْأَسْوَاقُ فَسَمِعْتُ مَشْيَخَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا يَدْخُلُ إِلَّا سُوقَ الْكُتُبِ وَالسِّلَاحِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يَدْخُلُ كُلَّ سُوقٍ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَلَا يَأْكُلُ فِيهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ إِسْقَاطٌ لِلْمُرُوءَةِ وَهَدْمٌ لِلْحِشْمَةِ، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ [[الحديث رواه الطبراني عن أبى أمامة والخطيب عن أبى هريرة وضعفه السيوطي.]] "الْأَكْلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ". قُلْتُ: مَا ذَكَرَتْهُ مَشْيَخَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَنِعِمَّا هُوَ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَالٍ عَنِ النَّظَرِ إِلَى النِّسْوَانِ وَمُخَالَطَتِهِنَّ، إِذْ ليس بذلك مِنْ حَاجَتِهِنَّ. وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنَ الْأَسْوَاقِ فَمَشْحُونَةٌ مِنْهُنَّ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِنَّ، حَتَّى تَرَى الْمَرْأَةَ فِي الْقَيْسَارِيَّاتِ وَغَيْرِهِنَّ قَاعِدَةً مُتَبَرِّجَةً بِزِينَتِهَا، وَهَذَا مِنَ الْمُنْكَرِ الْفَاشِي فِي زَمَانِنَا هَذَا. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ. السَّابِعَةُ- خَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيد قال حدثنا عمرو ابن دِينَارٍ قَهْرَمَانُ [[القهرمان: هو كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده والقائم بأمور الرجل، بلغة الفرس.]] آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: "مَنْ دَخَلَ سُوقًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْوَاقِ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كل شي قَدِيرٌ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ وَبَنَى لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ" خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَزَادَ بَعْدَ "وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ": "وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ". وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يَقْصِدْ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ [[سواه: أي سوى الله تعالى.]] سِوَاهُ لِيَعْمُرَهَا بِالطَّاعَةِ إِذْ عُمِّرَتْ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلِيُحَلِّيَهَا بِالذِّكْرِ إِذْ عُطِّلَتْ بِالْغَفْلَةِ، وَلِيُعَلِّمَ الجهلة ويذكر الناسين.
الثَّامِنَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ أَيْ إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ وَامْتِحَانٍ، فَأَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ الْعَبِيدِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ النَّاسِ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، فَالصَّحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، وَالْغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، وَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُخْتَبَرٌ بِصَاحِبِهِ، فَالْغَنِيُّ مُمْتَحَنٌ بِالْفَقِيرِ، عَلَيْهِ أَنْ يُوَاسِيَهُ وَلَا يَسْخَرَ مِنْهُ. وَالْفَقِيرُ مُمْتَحَنٌ بِالْغَنِيِّ، عَلَيْهِ أَلَّا يَحْسُدَهُ. وَلَا يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ، وَأَنْ يَصْبِرَ كُلُّ واحد منها عَلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ فِي مَعْنَى "أَتَصْبِرُونَ": أَيْ عَلَى الْحَقِّ. وَأَصْحَابُ الْبَلَايَا يَقُولُونَ: لِمَ لَمْ نُعَافَ؟ وَالْأَعْمَى يَقُولُ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ كَالْبَصِيرِ؟ وَهَكَذَا صَاحِبُ كُلِّ آفَةٍ. وَالرَّسُولُ الْمَخْصُوصُ بِكَرَامَةِ النُّبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأَشْرَافِ النَّاسِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي عَصْرِهِ. وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ وَحُكَّامُ الْعَدْلِ. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِمْ: "لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. فَالْفِتْنَةُ أن يحسد المبتلى المعافى. والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه، هدا عَنِ الْبَطَرِ، وَذَاكَ عَنِ الضَّجَرِ." أَتَصْبِرُونَ "مَحْذُوفُ الْجَوَابِ، يَعْنِي أَمْ لَا تَصْبِرُونَ. فَيَقْتَضِي جَوَابًا كما قاله الْمُزَنِيُّ، وَقَدْ أَخْرَجَتْهُ الْفَاقَةُ فَرَأَى خَصِيًّا فِي مراكب ومناكب، فخطر بباله شي فسمع من يفرا الْآيَةَ" أَتَصْبِرُونَ "فَقَالَ: بَلَى رَبَّنَا! نَصْبِرُ وَنَحْتَسِبُ. وَقَدْ تَلَا ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَ رَأَى أَشْهَبَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَمْلَكَتِهِ عَابِرًا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَجَابَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: سَنَصْبِرُ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:" وَيْلٌ لِلْعَالِمِ مِنَ الْجَاهِلِ وَوَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مِنَ الْعَالِمِ وَوَيْلٌ لِلْمَالِكِ مِنَ الْمَمْلُوكِ وَوَيْلٌ لِلْمَمْلُوكِ مِنَ الْمَالِكِ وَوَيْلٌ لِلشَّدِيدِ مِنَ الضَّعِيفِ وَوَيْلٌ لِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ وَوَيْلٌ لِلسُّلْطَانِ مِنَ الرَّعِيَّةِ وَوَيْلٌ لِلرَّعِيَّةِ مِنَ السُّلْطَانِ وَبَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةٌ وَهُوَ قَوْلُهُ "وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ" أَسْنَدَهُ الثَّعْلَبِيُّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نزلت في أبى جهل ابن هِشَامٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ والنصر ابن الحرث حِينَ رَأَوْا أَبَا ذَرٍّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارًا وَبِلَالًا وَصُهَيْبًا وَعَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَمَهْجَعًا مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَبْرًا مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ، وَذَوِيهِمْ فَقَالُوا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ: أَنُسْلِمُ فَنَكُونُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يُخَاطِبُ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: "أَتَصْبِرُونَ" عَلَى مَا تَرَوْنَ مِنْ هَذِهِ الْحَالِ الشَّدِيدَةِ وَالْفَقْرِ، فَالتَّوْقِيفُ بِ"- أَتَصْبِرُونَ" خَاصٌّ للمؤمنين المحققين [[وفي ك: المحفين: أي أهل الكرامة. في ب: المحقين.]] مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. كَأَنَّهُ جَعَلَ إِمْهَالَ الْكُفَّارِ وَالتَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أَيِ اخْتِبَارًا لَهُمْ. وَلَمَّا صَبَرَ الْمُسْلِمُونَ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ "إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا"»
. التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾ أَيْ بِكُلِّ امْرِئٍ. وَبِمَنْ يَصْبِرُ أَوْ يَجْزَعُ، وَمَنْ يُؤْمِنُ وَمَنْ لَا يُؤْمِنُ، وَبِمَنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَمَنْ لَا يُؤَدِّي. وَقِيلَ: "أَتَصْبِرُونَ" أَيِ اصْبِرُوا. مِثْلُ "فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ" [[راجع ج ٦ ص ٢٨٥ فما بعد.]] أَيِ انْتَهُوا، فَهُوَ أَمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ. بالصبر