لقمان
الجامع لأحكام القرآنهذا هو النص العربي لتفسير من التفاسير الكلاسيكية كما هو في Quranic Universal Library (واختصارها QUL، من Tarteel)، مأخوذًا من النسخة المفتوحة لبيانات QUL التي يحتفظ بها spa5k/tafsir_api. لا تذكر QUL أي طبعة مطبوعة تتبعها ولا ترخيصًا للنصوص، ولذلك لم يُتحقق من حق عرضها. لم يقارنه أحد بكتاب مطبوع ولا بمخطوطة، ولم يراجعه أحد من العلماء. يقف كل مقطع بجانب الآيات التي يعلّق عليها، وهي نص القرآن من Tanzil كما هو عنده. وحيثما يحمل النص ملاحظة لمحرّر بين قوسين مزدوجين فإنها تُعرض كما هي. لا توجد ترجمة بعد.
النص منQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITأُخذ في 2026-10-21
وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ١٩
فِيهِ سِتُّ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ لَمَّا نَهَاهُ عَنِ الْخُلُقِ الذَّمِيمِ رَسَمَ لَهُ الْخُلُقَ الْكَرِيمَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فَقَالَ: "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ" أَيْ تَوَسَّطْ فِيهِ. وَالْقَصْدُ: مَا بَيْنَ الْإِسْرَاعِ وَالْبُطْءِ، أَيْ لَا تَدِبَّ دَبِيبَ الْمُتَمَاوِتِينَ وَلَا تَثِبْ وَثْبَ الشُّطَّارِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سُرْعَةُ الْمَشْيِ تُذْهِبُ بَهَاءَ الْمُؤْمِنِ). فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ- فَإِنَّمَا أَرَادَتِ السُّرْعَةَ الْمُرْتَفِعَةَ عَنْ دَبِيبِ الْمُتَمَاوِتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ حَسْبَمَا تقدم بيانه في "الفرقان" [[راجع ج ١٣ ص ٦٨.]]. الثانية- قوله تعالى: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) أَيِ انْقُصْ مِنْهُ، أَيْ لَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَ الصَّوْتِ وَخُذْ مِنْهُ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْجَهْرَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْحَاجَةِ تَكَلُّفٌ يُؤْذِي. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ كُلِّهِ التَّوَاضُعُ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِمُؤَذِّنٍ تَكَلَّفَ رَفْعَ الْأَذَانِ بِأَكْثَرَ مِنْ طَاقَتِهِ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَنْشَقَّ مُرَيْطَاؤُكَ! وَالْمُؤَذِّنُ هُوَ أَبُو مَحْذُورَةَ سَمُرَةُ بْنُ مِعْيَرٍ [[في الأصول: (معمر) بالميم بدل الياء وهو تحريف.]]. وَالْمُرَيْطَاءُ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ إِلَى الْعَانَةِ. الثَّالِثَةُ- قوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) أَيْ أَقْبَحَهَا وَأَوْحَشَهَا، وَمِنْهُ أَتَانَا بِوَجْهٍ مُنْكَرٍ. وَالْحِمَارُ مَثَلٌ فِي الذَّمِّ الْبَلِيغِ وَالشَّتِيمَةِ، وَكَذَلِكَ نُهَاقُهُ، وَمِنِ استفحاشهم لِذِكْرِهِ مُجَرَّدًا أَنَّهُمْ يَكْنُونَ عَنْهُ وَيَرْغَبُونَ عَنِ التَّصْرِيحِ فَيَقُولُونَ: الطَّوِيلُ الْأُذُنَيْنِ، كَمَا يُكْنَى عَنِ الْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ. وَقَدْ عُدَّ فِي مَسَاوِئِ الْآدَابِ أَنْ يَجْرِيَ ذِكْرُ الْحِمَارِ فِي مَجْلِسِ قَوْمٍ مِنْ أُولِي الْمُرُوءَةِ. وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ لَا يَرْكَبُ الْحِمَارَ اسْتِنْكَافًا وَإِنْ بَلَغَتْ مِنْهُ الرَّجْلَةُ [[الرجلة (بضم فسكون): المشي راجلا.]]. وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَرْكَبُهُ تَوَاضُعًا وَتَذَلُّلًا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. الرَّابِعَةُ- فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْرِيفِ قُبْحِ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَالْمُلَاحَاةِ [[الملاحاة: الملاومة والمباغضة.]] بِقُبْحِ أَصْوَاتِ الْحَمِيرِ، لِأَنَّهَا عَالِيَةٌ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا). وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ [[لفظة (أنه) ساقطة من ج.]] مَا صَاحَ حِمَارٌ وَلَا نَبَحَ كَلْبٌ إِلَّا أَنْ يَرَى شَيْطَانًا. وَقَالَ سُفْيَانُ الثوري: صياح كل شي تَسْبِيحٌ إِلَّا نَهِيقَ الْحَمِيرِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: نَهِيقُ الْحَمِيرِ دُعَاءٌ عَلَى الظَّلَمَةِ. الْخَامِسَةُ- [[في ك: (وفي هذه الآية أذن من الله تعالى بترك الصوت والصياح).]] وَهَذِهِ الْآيَةُ أَدَبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الصِّيَاحِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ تَهَاوُنًا [[في ج: (تهازيا).]] بِهِمْ، أَوْ بِتَرْكِ الصِّيَاحِ جُمْلَةً، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَفْخَرُ بِجَهَارَةِ الصَّوْتِ الْجَهِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَشَدَّ صَوْتًا كَانَ أَعَزَّ، وَمَنْ كَانَ أَخْفَضَ كَانَ أَذَلَّ، حَتَّى قَالَ شَاعِرُهُمْ:
جَهِيرُ الْكَلَامِ جَهِيرُ الْعُطَاسِ ... جَهِيرُ الرُّوَاءِ جَهِيرُ النَّعَمْ [[الرواء (بالضم والمد): المنظر الحسن. والنعم: الإبل.]]
وَيَعْدُو عَلَى الْأَيْنَ عَدْوَى الظَّلِيمِ ... وَيَعْلُو الرِّجَالَ بِخَلْقٍ عَمَمْ [[الأين: الإعياء. والخلق العمم: التام.]]
فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ هَذِهِ الْخُلُقِ الْجَاهِلِيَّةِ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" أَيْ لَوْ أَنَّ شَيْئًا يُهَابُ لِصَوْتِهِ لَكَانَ الْحِمَارُ، فَجَعَلَهُمْ فِي الْمِثْلِ سَوَاءً. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وَوَحَّدَ الصَّوْتَ وَإِنْ كَانَ مُضَافًا إِلَى الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَالْمَصْدَرُ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ صَاتَ يَصُوتُ صَوْتًا فَهُوَ صَائِتٌ. وَيُقَالُ: صَوَّتَ تَصْوِيتًا فَهُوَ مُصَوِّتٌ. وَرَجُلٌ صَاتٌ أَيْ شَدِيدُ الصَّوْتِ بِمَعْنَى صائت، كقولهم: رجال مال ونال، أي كثير المال والنوال.