انتقل إلى المحتوى
Tafsīr al-Qurṭubī · البقرة
السورة ٢

البقرة

الجامع لأحكام القرآن

هذا هو النص العربي لتفسير من التفاسير الكلاسيكية كما هو في Quranic Universal Library (واختصارها QUL، من Tarteel)، مأخوذًا من النسخة المفتوحة لبيانات QUL التي يحتفظ بها spa5k/tafsir_api. لا تذكر QUL أي طبعة مطبوعة تتبعها ولا ترخيصًا للنصوص، ولذلك لم يُتحقق من حق عرضها. لم يقارنه أحد بكتاب مطبوع ولا بمخطوطة، ولم يراجعه أحد من العلماء. يقف كل مقطع بجانب الآيات التي يعلّق عليها، وهي نص القرآن من Tanzil كما هو عنده. وحيثما يحمل النص ملاحظة لمحرّر بين قوسين مزدوجين فإنها تُعرض كما هي. لا توجد ترجمة بعد.

النص منQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITأُخذ في 2026-10-21

الآية ١٩٦

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١٩٦

فِيهِ عَشْرُ مَسَائِلَ: الْأُولَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يَعْنِي الْهَدْيَ، إِمَّا لِعَدَمِ الْمَالِ أَوْ لِعَدَمِ الْحَيَوَانِ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ. وَالثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ فِي الْحَجِّ آخِرُهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، هَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَلْقَمَةَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَحَكَى أَبُو ثَوْرٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَصُومُهَا فِي إِحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ إِحْرَامَيِ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ صَوْمُ الْأَيَّامِ فِيهِ كَإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا وَأَصْحَابُهُ: يَصُومُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لَهُ أَنْ يَصُومَهَا مُنْذُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: "فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ" فَإِذَا صَامَهَا فِي الْعُمْرَةِ فَقَدْ أَتَاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ فَلَمْ يُجْزِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَصُومُهُنَّ مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي مُوَطَّئِهِ، لِيَكُونَ يَوْمَ عَرَفَةَ مُفْطِرًا، فَذَلِكَ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ، وَأَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ، وَسَيَأْتِي. وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا: جَائِزٌ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَصُومُهُنَّ مِنْ أَوَّلِ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقَالَ عُرْوَةُ: يَصُومُهَا مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَقَالَهُ أَيْضًا مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أهل المدينة.

وَأَيَّامُ مِنًى هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: "الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى". وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّوْمِ مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ الْمُتَمَتِّعِ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَبْدَأٌ، إِمَّا لِأَنَّهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِ مِنًى وَقْتُ الْقَضَاءِ، عَلَى مَا يَقُولُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ، وَإِمَّا لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الصِّيَامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ إِبْرَاءَ لِلذِّمَّةِ، وَذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ. وَالْأَظْهَرُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ قَبْلَهَا أَفْضَلَ، كَوَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي فِيهِ سَعَةٌ لِلْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلَ مِنْ آخِرِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَأَنَّهَا أَدَاءٌ لَا قَضَاءٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: "أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ" يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَوْضِعَ الْحَجِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَيَّامَ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَيَّامَ الْحَجِّ فَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ، لِأَنَّ آخِرَ أَيَّامِ الْحَجِّ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ أَيَّامِ الْحَجِّ أَيَّامَ الرَّمْيِ، لِأَنَّ الرَّمْيَ عَمَلٌ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ خَالِصًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْكَانِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَوْضِعَ الْحَجِّ صَامَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فِي أَيَّامِ مِنًى، كَمَا قَالَ عُرْوَةُ، وَيَقْوَى جِدًّا. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهَا ابْتِدَاءً إِلَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ إِلَّا بِأَلَّا يَجِدُ الْهَدْي يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ: الثَّانِيَةُ- فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنًى، قِيلَ لَهُ: إِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ فَهُوَ عَامٌّ يُخَصَّصُ مِنْهُ الْمُتَمَتِّعُ بِمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَصُومُهَا. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ قَالَا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْي. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ مِنْ طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ ضَعَّفَهَا. وَإِنَّمَا رَخَّصَ فِي صَوْمِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَيَّامِهِ إِلَّا بِمِقْدَارِهَا، وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الصَّوْمِ لِعَدَمِ الْهَدْيِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ رُوِينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ صَامَ بَعْدَ أَيَّامِ التشريق، وقاله الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا فَاتَهُ الصَّوْمُ فِي الْعَشْرِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا الْهَدْي. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَحَكَاهُ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ عَنْهُ، فَتَأَمَّلْهُ. الثَّالِثَةُ- أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا سَبِيلَ لِلْمُتَمَتِّعِ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ يَجِدُّ الْهَدْيَ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا كَانَ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْهَدْيِ فَصَامَ ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ إِكْمَالِ صَوْمِهِ، فَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْزَاهُ الصِّيَامُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَمْضِي فِي صَوْمِهِ وَهُوَ فَرْضُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو

ثَوْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا أَيْسَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ صَوْمِهِ بَطَلَ الصَّوْمُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ أَيْسَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ لَا يَرْجِعُ إِلَى الْهَدْيِ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَحَمَّادٌ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ﴾ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ بِالْخَفْضِ عَلَى الْعَطْفِ. وقرا زيد ابن عَلِيٍّ "وَسَبْعَةً" بِالنَّصْبِ، عَلَى مَعْنَى: وَصُومُوا سَبْعَةً. الخامسة- قوله تعالى: "إِذا رَجَعْتُمْ" يعنى إلى بلادكم، قاله ابن عمر وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء، وقال مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ: هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تعالى، فلا يجب أَحَدٍ صَوْمُ السَّبْعَةِ إِلَّا إِذَا وَصَلَ وَطَنَهُ، إِلَّا أَنْ يَتَشَدَّدَ أَحَدٌ، كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يَصُومُ فِي السَّفَرِ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يُجْزِيهِ الصَّوْمُ فِي الطَّرِيقِ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ شَاءَ صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ، إِنَّمَا هِيَ رُخْصَةٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ. وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ: إِذَا رَجَعْتُمْ مِنَ الْحَجِّ، أَيْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْحِلِّ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ: إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى فَلَا بَأْسَ أَنْ يَصُومَ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ:" إِنْ كَانَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الرُّخَصِ وَتَرْكُ [[كذا في أحكام القرآن لابن العربي. وفى نسخ الأصل: "بدل".]] الرِّفْقِ فِيهَا إِلَى الْعَزِيمَةِ إِجْمَاعًا. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَوْقِيتًا فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، وَلَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ أَرَادَ الْبِلَادَ، وَأَنَّهَا المراد في الأغلب [[عبارة ابن العربي: "... ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في الأغلب والأظهر فيه أنه الحج".]]."

قُلْتُ: بَلْ فِيهِ ظَاهِرٌ يَقْرُبُ إِلَى النَّصِّ، يُبَيِّنُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسُ مَنْ أَهْدَى [[في الأصول: "من أهل".]] فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: (مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهدى فإنه لا يحل من شي حُرِمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) الْحَدِيثَ. وَهَذَا كَالنَّصِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامَ إِلَّا فِي أَهْلِهِ وَبَلَدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَى أمصاركم [[قوله "إلى أمصاركم": تفسير من ابن عباس للرجوع.]] " [البقرة ١٩٦] الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي. قَالَ النَّحَّاسُ: وَكَانَ هَذَا إِجْمَاعًا. السَّادِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ يُقَالُ: كَمَلَ يَكْمُلُ، مِثْلَ نَصَرَ يَنْصُرُ. وَكَمُلَ يَكْمُلُ، مِثْلَ عَظُمَ يَعْظُمُ. وَكَمِلَ يَكْمَلُ، مِثْلَ حَمِدَ يَحْمَدُ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: "تِلْكَ عَشَرَةٌ" وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهَا عَشَرَةٌ، فَقَالَ الزَّجَّاجُ: لَمَّا جَازَ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ التَّخْيِيرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَوْ سَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ بَدَلًا مِنْهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَسَبْعَةٌ أُخْرَى- أُزِيلَ ذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ مِنْ قَوْلِهِ "تِلْكَ عَشَرَةٌ" ثُمَّ قَالَ: "كامِلَةٌ". وَقَالَ الْحَسَنُ: "كامِلَةٌ" فِي الثَّوَابِ كَمَنْ أَهْدَى. وَقِيلَ: "كامِلَةٌ" فِي الْبَدَلِ عَنِ الْهَدْيِ، يَعْنِي الْعَشَرَةَ كُلَّهَا بَدَلٌ عَنِ الْهَدْيِ. وَقِيلَ: كَامِلَةٌ فِي الثَّوَابِ كَمَنْ لَمْ يَتَمَتَّعْ. وَقِيلَ: لَفْظُهَا لَفْظُ الْإِخْبَارِ وَمَعْنَاهَا الْأَمْرُ، أَيْ أَكْمِلُوهَا فَذَلِكَ فَرْضُهَا. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: "عَشَرَةٌ" دَلَالَةٌ عَلَى انْقِضَاءِ الْعَدَدِ، لِئَلَّا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شي بَعْدَ ذِكْرِ السَّبْعَةِ. وَقِيلَ: هُوَ تَوْكِيدٌ، كَمَا تَقُولُ: كَتَبْتُ بِيَدَيَّ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

ثَلَاثٌ وَاثْنَتَانِ فَهُنَّ خَمْسٌ ... وَسَادِسَةٌ تَمِيلُ إِلَى شِمَامِي

فَقَوْلُهُ "خَمْسٌ" تَأْكِيدٌ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْآخَرِ:

ثَلَاثٌ بالغداة فذاك حسبي ... وَسِتٌّ حِينَ يُدْرِكُنِي الْعِشَاءُ

فَذَلِكَ تِسْعَةٌ فِي الْيَوْمِ رَيِّي ... وَشُرْبُ الْمَرْءِ فَوْقَ الرِّيِّ دَاءُ

وَقَوْلُهُ "كامِلَةٌ" تَأْكِيدٌ آخَرُ، فِيهِ زِيَادَةُ تَوْصِيَةٍ بِصِيَامِهَا وَأَلَّا يَنْقُصَ مِنْ عَدَدِهَا، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تَأْمُرُهُ بِأَمْرٍ ذِي بَالٍ: اللَّهَ اللَّهَ لَا تُقَصِّرْ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أَيْ إِنَّمَا يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ عَنِ الْغَرِيبِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ "عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ) طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: (مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيَ مَحِلَّهُ) ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:" فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ "إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تُجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ" وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَوَّالٌ وَذُوُ الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ. وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي. وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ.

الثَّامِنَةُ- اللَّامُ فِي قَوْلِهِ "لِمَنْ" بِمَعْنَى عَلَى، أَيْ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: (اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها﴾[[راجع ج ١٠ ص ٢١٧.]] [الاسراء: ٧] أَيْ فَعَلَيْهَا. وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ لِلْغَرِيبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، لَا مُتْعَةَ وَلَا قِرَانَ لِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَهُمْ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ دَمُ جِنَايَةٍ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمِ تَمَتُّعٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُمْ دَمُ تَمَتُّعٍ [[لفظة "دم" ساقطة من ب، ج، ز.]] وَقِرَانٍ. وَالْإِشَارَةُ تَرْجِعُ إِلَى الْهَدْيِ وَالصِّيَامِ، فَلَا هَدْيَ وَلَا صِيَامَ عَلَيْهِمْ. وَفَرَّقَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، فَأَوْجَبَ الدَّمَ فِي الْقِرَانِ وَأَسْقَطَهُ فِي التَّمَتُّعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. التَّاسِعَةُ- وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ- بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ حَاضِرِيهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَهْلِ الْحَرَمِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ- فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ فَهُوَ حَضَرِيٌّ، وَمَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَدْوِيٌّ، فَجَعَلَ اللَّفْظَةَ مِنَ الْحَضَارَةِ وَالْبَدَاوَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا خَاصَّةً. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ: هُمْ أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ وَمَنْ وَرَاءَهَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ أَوْ مِنْ أَهْلِ مَا وَرَاءَهَا فَهُمْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ: هُمْ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَذَاهِبُ السَّلَفِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ. الْعَاشِرَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أَيْ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ بِالتَّقْوَى على العموم، وتحذير من شدة عقابه.