Skip to content
Tafsīr Ibn ʿAṭiyyah · Al-Infitaar
Sūrah 82

Al-Infitaar

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

This is the Arabic text of a classical tafsīr as the Quranic Universal Library (QUL, by Tarteel) has it, taken through the open copy of QUL’s data that spa5k/tafsir_api keeps. QUL does not say which printed edition it follows and states no licence for the texts, so the right to show them is not verified. Nobody has compared it with a printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. Each passage stands beside the verses it comments on, which are the Qur’ān text of Tanzil, shown as it is there. Where the text carries a note of an editor’s, in double brackets, it is shown as it stands. There is no translation yet.

Text fromQuranic Universal Libraryspa5k/tafsir_apiMITtaken 2026-10-21

Verses 1–12

إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ 1 وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ 2 وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ 3 وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ 4 عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ 5 يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ 6 ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ 7 فِىٓ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ 8 كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ 9 وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ 10 كِرَامًا كَـٰتِبِينَ 11 يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ 12

(p-٥٥٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الِانْفِطارِ

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إذا السَماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِينِ﴾ ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾

هَذِهِ أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ. و"انْفِطارُ السَماءِ" تَشَقُّقُها عَلى غَيْرِ نِظامٍ مَقْصُودٍ إنَّما هو انْشِقاقٌ لِتَزُولَ زِينَتُها. و"انْتِثارُ الكَواكِبِ" سُقُوطُها مِن مَواضِعِها الَّتِي هي فِيها كَنِظامٍ. و"تَفْجِيرُ البِحارِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ امْتِلائِها فَتُفَجَّرُ مِن أعالِيها وتَفِيضُ عَلى ما يَلِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْجِيرَ تَفْرِيعٍ مِن قِيعانِها فَيَذْهَبُ اللهُ تَعالى ماءَها حَيْثُ شاءَ، وقِيلَ: يُفَجِّرُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ فَيَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ وتَصِيرُ واحِدًا، وهَذا نَحْوُ الِاخْتِلافِ في "سُجِّرَتْ" في السُورَةِ الَّتِي قَبْلُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: "فَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ. و"بَعْثَرَةُ القُبُورِ" نَبْشُها عَنِ المَوْتى الَّذِينَ فِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلِمَتْ نَفْسٌ" هو جَوابُ "إذا"، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ: وإفْرادُها لِيُبَيِّنَ لِذِهْنِ السامِعِ حَقارَتَها وقِلَّتَها وضَعْفَها عن مَنفَعَةِ ذاتِها إلّا مَن رَحِمَ اللهُ تَعالى، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: إنَّها عِبارَةٌ عن جَمِيعِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ هَذا التَقْسِيمَ يَعُمُّ الطاعاتِ المَعْمُولَةِ والمَتْرُوكَةِ، وكَذَلِكَ المَعاصِي. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: مَعْناهُ:

؎ ما قَدَّمَتْ في حَياتِها وما أخَّرَتْ ∗∗∗ مِمّا سَنَّتْهُ فَعَمِلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِها.

ثُمَّ خاطَبَ تَعالى جِنْسَ ابْنِ آدَمَ فَوَقَفَهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَنْبِيهِ- عَلى أيِّ شَيْءٍ (p-٥٥٤)أوجَبَ أنْ يَغْتَرَّ بِرَبِّهِ الكَرِيمِ فَيَعْصِيهِ ويَجْعَلُ لَهُ نِدًّا، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ، وهو الخالِقُ المُوجِدُ بَعْدَ العَدَمِ. ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ: " ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ" فَقالَ: جَهْلُهُ،» وقالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَرَأ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقالَ قَتادَةُ: غَرَّهُ عَدُوُّهُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: غَرَّهُ سَتْرُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ، وقالَ غَيْرُهُ: غَرَّهُ كَرَمُ اللهِ تَعالى. ولَفْظَةُ "الكَرِيمِ" تُلَقِّنُ هَذا الجَوابَ، فَهَذا مِن لُطْفِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِعِبادِهِ العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "ما أغَرَّكَ" عَلى وزْنِ أفْعَلَكَ، والمَعْنى: ما دَعاكَ إلى الِاغْتِرارِ؟ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَعَجُّبًا مَحْضًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَعَدَّلَكَ" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "فَعَدَلَكَ" بِتَخْفِيفِ الدالِ، والمَعْنى: عَدَلَ أعْضاءَكَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، أيْ وازَنَ بَيْنَها. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾، ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، أيْ: في صُورَةٍ قَبِيحَةٍ أو حَسَنَةٍ أو مُشَوَّهَةٍ أو سَلِيمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ، بِمَعْنى: إلى أيِّ صُورَةٍ، حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: المَعْنى: لَمْ يَجْعَلْكَ في صُورَةِ خِنْزِيرٍ ولا حِمارٍ، وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى الوَعِيدُ والتَهْدِيدُ، أيِ: الَّذِي إنْ شاءَ رَكَّبَكَ في صُورَةِ حِمارٍ أو خِنْزِيرٍ أو غَيْرِهِ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: "ما شاءَ" زائِدَةٌ، فِيها مَعْنى التَأْكِيدِ والتَرْكِيبِ والتَأْلِيفِ وجَمْعِ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ: "رَكَّبَكَ كُلًّا" بِإدْغامِ الكافِ في الكافِ. ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى سائِرِ أقْوالِهِمْ ورَدَّ عنها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "كَلّا"، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى لَهم تَكْذِيبَهم بِالدِينِ، وهَذا الخِطابُ عامٌّ ومَعْناهُ الخُصُوصُ في الكُفّارِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُكَذِّبُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ: "يُكَذِّبُونَ" بِالياءِ، و"الدِينُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الشَرْعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الجَزاءَ والحِسابَ.

و"الحافِظُونَ" هُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ أعْمالَ ابْنِ آدَمَ، ووَصْفَهم تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفْيُ المَذامِّ، و"يَعْلَمُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، ووَصْفِهِمْ تَعالى بِالكَرَمِ الَّذِي هو نَفىُ المَذامِّ و"يَعْمَلُونَ ما يَفْعَلُونَ" لِمُشاهَدَتِهِمْ حالَ بَنِي آدَمَ، وقَدْ رُوِيَ (p-٥٥٥)حَدِيثٌ ذَكَرَهُ سُفْيانُ يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ سَيِّئَةً مِمّا لا تُرى ولا تُسْمَعُ، مِثْلَ الخَواطِرِ المُسْتَصْحَبَةِ ونَحْوِها أنَّ المَلِكَ يَجِدُ رِيحَ تِلْكَ الخَطِيئَةِ بِإدْراكٍ قَدْ خَلَقَهُ اللهُ تَعالى لَهم.