Skip to content
Book 37 · Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn
Book 37

الباب الأول في حقيقة النية ومعناها

Text fromOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 9472taken 2026-10-21

وفيه بيان فضيلة النية

و بيان حقيقة النية

وبيان كون النية خيرا من العمل وبيان تفضيل الأعمال المتعلقة بالنفس وبيان خروج النية عن الاختيار

بيان فضيلة النية

قال الله تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} والمراد بتلك الإرادة هي النية

وقال صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه (1) وقال صلى الله عليه وسلم أكثر شهداء أمتي أصحاب الفرش ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته (2) وقال تعالى {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} فجعل النية سبب التوفيق

وقال صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (3) وإنما نظر إلى القلوب لأنها مظنة النية وقال صلى الله عليه وسلم إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله تعالى فيقول ألقوا هذه الصحيفة4:362

فإنه لم يرد بما فيها وجهي ثم ينادي الملائكة اكتبوا له كذا وكذا اكتبوا له كذا وكذا فيقولون يا ربنا إنه لم يعمل شيئا من ذلك فيقول الله تعالى إنه نواه (1) وقال صلى الله عليه وسلم الناس أربعة رجل أتاه الله عز وجل علما ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله فيقول رجل لو آتاني الله تعالى مثل ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله تعالى مالا ولم يؤته علما فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول رجل لو آتاني الله مثل ما آتاه عملت كما يعمل فهما في الوزر سواء (2) ألا ترى كيف شركه بالنية في محاسن عمله ومساويه

وكذلك في حديث أنس بن مالك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال إن بالمدينة أقواما ما قطعنا واديا ولا وطئنا موطئا يغيظ الكفار ولا أنفقنا نفقة ولا أصابتنا مخمصة إلا شركونا في ذلك وهم بالمدينة قالوا وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا قال حبسهم العذر فشركوا بحسن النية (3) وفي حديث ابن مسعود من هاجر يبتغي شيئا فهو له فهاجر رجل فتزوج امرأة منا فكان يسمى مهاجر أم قيس (4) وكذلك جاء في الخبر إن رجلا قتل في سبيل الله وكان يدعى قتيل الحمار (5) لأنه قاتل رجلا ليأخذ سلبه وحماره فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته

وفي حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم من غزا وهو لا ينوي إلا عقالا فله ما نوى (6) وقال أبي استعنت رجلا يغزو معي فقال لا حتى تجعل لي جعلا فجعلت له فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ليس له من دنياه وآخرته إلا ما جعلت له (7) وروي في الإسرائيليات أن رجلا مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم أن قل له إن الله تعالى قبل صدقتك وقد شكر حسن نيتك وأعطاك ثواب مالو كان طعاما فتصدقت به وقد ورد في أخبار كثيرة من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة (8) وفي حديث عبد الله بن عمرو من كانت الدنيا نيته جعل الله فقره بين عينيه وفارقها أرغب ما يكون فيها ومن تكن الآخرة نيته جعل الله تعالى غناه في قلبه وجمع عليه ضيعته وفارقها أزهد ما يكون فيها (9) وفي حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر جيشا يخسف بهم البيداء فقلت يا رسول الله يكون فيهم المكره والأجير فقال يحشرون على نياتهم (10) وقال عمر رضي الله4:363

عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنما يقتتل المقتتلون على النيات أخرجه ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص والنية من حديث عمر بإسناد ضعيف بلفظ إنما يبعث ورويناه في فوائد تمام بلفظ إنما يبعث المسلمون على النيات ولابن ماجه من حديث أبى هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وفيه ليث بن أبى سليم مختلف فيه وقال عليه السلام إذا التقى الصفان نزلت الملائكة تكتب الخلق على مراتبهم فلان يقاتل للدنيا فلان يقاتل حمية فلان يقاتل عصيبة ألا فلا تقولوا فلان قتل في سبيل الله فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (1) هي العليا فهو في سبيل الله وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يبعث كل عبد على ما مات عليه (2) وفي حديث الأحنف عن أبي بكرة إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه (3) وفي حديث أبي هريرة من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان ومن ادان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق (4) وقال صلى الله عليه وسلم من تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة (5)

وأما الآثار فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال أداء ما افترض الله تعالى والورع عما حرم الله تعالى وصدق النية فيما عند الله تعالى وكتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز اعلم أن عون الله تعالى للعبد على قدر النية فمن تمت نيته تم عون الله له وإن نقصت نقص بقدره

وقال بعض السلف رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية

وقال داود الطائي البر همته التقوى فلو تعلقت جميع جوارحه بالدنيا لردته نيته يوما إلى نية صالحة وكذلك الجاهل بعكس ذلك

وقال الثوري كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل

وقال بعض العلماء اطلب النية للعمل قبل العمل وما دمت تنوي الخير فأنت بخير

وكان بعض المريدين يطوف على العلماء يقول من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله تعالى فإني لا أحب أن يأتي علي ساعة من ليل أو نهار إلا وأنا عامل من عمال الله فقيل له قد وجدت حاجتك فاعمل الخير ما استطعت فإذا فترت أو تركته فهم بعمله فإن الهام بعمل الخير كعامله

وكذلك قال بعض السلف وإن نعمة الله عليكم أكثر من أن تحصوها وإن ذنوبكم أخفى من أن تعلموها ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين يغفر لكم ما بين ذلك

وقال عيسى عليه السلام طوبى لعين نامت ولا تهم بمعصية وانتبهت إلى غير إثم

وقال أبو هريرة يبعثون يوم القيامة على قدر نياتهم وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} يبكي ويرددها ويقول إنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا

وقال الحسن إنما خلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بالنيات وقال أبو هريرة مكتوب في التوراة ما أريد به وجهي فقليله كثير وما أريد به غيري فكثيره قليل

وقال بلال بن سعد إن العبد ليقول قول مؤمن فلا يدعه الله عز وجل وقوله حتى ينظر في عمله فإذا عمل لم يدعه الله حتى ينظر في ورعه فإن تورع لم يدعه حتى ينظر ماذا نوى فإن صلحت نيته فبالحري أن يصلح ما دون ذلك4:364

فإذن عماد الأعمال بالنيات فالعمل مفتقر إلى النية ليصير بها خيرا والنية في نفسها خير وإن تعذر العمل بعائق

بيان حقيقة النية

اعلم أن النية والإرادة والقصد عبارات على متوارده معنى واحد وهو حالة وصفة للقلب يكتنفها أمران علم وعمل {العلم} يقدمه لأنه أصله وشرطه {والعمل} يتبعه لأنه ثمرته وفرعه وذلك لأن كل عمل أعني كل حركة وسكون اختياري فإنه لا يتم إلا بثلاثة أمور علم وإرادة وقدرة لأنه لا يريد الإنسان مالا يعلمه فلابد وأن يعلم ولا يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة

ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا للغرض إما في الحال أو في المآل فقد خلق الإنسان بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور فيحتاج إلى جلب الملائم الموافق إلى نفسه ودفع الضار المنافي عن نفسه فافتقر بالضرورة إلى معرفة وإدراك للشيء المضر والنافع حتى يجلب هذا ويهرب من هذا فإن من لا يبصر الغذاء ولا يعرفه لا يمكنه أن بتناول ومن لا يبصر النار لا يمكنه الهرب منها فخلق الله الهداية والمعرفة وجعل لها أسبابا وهي الحواس الظاهرة والباطنة وليس ذلك من غرضنا ثم لو أبصر الغذاء وعرف أنه موافق له فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه ورغبة فيه وشهوة له باعثة عليه إذا المريض يرى الغذاء ويعلم أنه موافق ولا يمكنه التناول لعدم الرغبة والميل ولفقد الداعية المحركة إليه فخلق الله تعالى له الميل والرغبة والإرادة وأعني به نزوعا في نفسه إليه وتوجها في قلبه إليه ثم ذلك لايكفيه فكم من مشاهد طعاما راغب فيه مريد تناوله عاجز عنه لكونه زمنا فخلقت له القدرة والأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول والعضو لا يتحرك إلا بالقدرة والقدرة تنتظر الداعية الباعثة والداعية تنتظر العلم والمعرفة أو الظن والاعتقاد وهو أن يقوى في نفسه كون الشيء موافقا له فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق ولا بد وأن يفعل وسمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه انبعثت الإرادة وتحقق الميل فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء لأن القدرة خادمة للإردة والإرادة تابعة لحكم الاعتقاد والمعرفة

فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة وهي الإرادة وانبعاث النفس بحكم الرغبة والميل إلى ما هو موافق للغرض إما في الحال وإما في المآل

فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب وهو الباعث والغرض الباعث هو المقصد المنوي والانبعاث هو القصد والنية وانتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد وقد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو انفرد لكان مليا بإنهاض القدرة وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع وقد يكون أحدهما كافيا لولا الآخر لكن الآخر انتهض عاضدا له ومعاونا

فيخرج من هذا القسم أربعة أقسام فلنذكر لكل واحد مثالا واسما

أما الأول فهو أن ينفرد الباعث الواحد يتجرد كما إذا هجم على الإنسان سبع فكلما رآه قام من موضعه فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع فإنه رأى السبع وعرفه ضارا فانبعثت نفسه إلى الهرب ورغبت فيه فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى الانبعاث فيقال نيته للفرار من السبع لا نية له في القيام لغيره وهذه النية تسمى خالصة ويسمى العمل بموجبها إخلاصا بالإضافة إلى الغرض الباعث ومعناه أنه خلص عن مشاركة غيره وممازجته

وأما الثاني فهو أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد

ومثاله من المحسوس أن يتعاون رجلان على حمل شيء بمقدار من القوة كان كافيا في الحمل لو انفرد ومثاله في غرضنا أن يسأله قريبه الفقير حاجة4:365

فيقضيها لفقره وقرابته وعلم أنه لولا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد القرابة وأنه لولا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر وعلم ذلك من نفسه بأنه يحضره قريب غني فيرغب في قضاء حاجته وفقير أجنبي فيرغب أيضا فيه

وكذلك من أمره الطبيب بترك الطعام ودخل عليه يوم عرفة فصام وهو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ولولا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفة وقد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل وكان الباعث الثاني رفيق الأول

فلنسم هذا مرافقة للبواعث والثالث أن لا يستقل كل واحد لو انفرد ولكل قوى مجموعهما على إنهاض القدرة

ومثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل مالا ينفرد أحدهما به

ومثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغني فيطلب درهما فلا يعطيه ويقصده الأجنبي الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه فيكون انبعاث داعيته المجموع الباعثين وهو القرابة والفقر

وكذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب ولغرض الثناء ويكون بحيث لو كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء ولو كان الطالب فاسقا لا ثواب في التصدق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء ولو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب

ولنسم هذا الجنس مشاركة والرابع أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه والثاني لا يستقل

ولكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة والتسهيل

40 of 134

Translations

This translation is its translator’s, not Sabīl’s. It is shown as its source gives it, as a text of its own under each book with the translator’s own headings: it does not stand line for line beside the Arabic, and it keeps the faults of the copy it was read from. Sabīl has not checked it against the Arabic, and no scholar has reviewed it.

This is the Arabic text of al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn as the OpenITI corpus has it, from Shamela’s copy of the Dār al-Maʿrifa edition. Nobody has compared it with the printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. The corpus says that in some pages a part of the text is missing and that the editor’s footnotes are mixed with the text; both are shown as they stand. The pages of the printed edition are marked where they end. The translations are their translators’, each read from the copy named with it and shown as a text of its own under each book, with its own headings: none is set line for line against the Arabic, Karim’s English abridges the book as its translator says, and each keeps the faults of the copy it was read from. Sabīl has translated nothing, has not checked any translation against the Arabic, and no scholar has reviewed one.