Skip to content
Book 24 · Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn
Book 24

الآفة الرابعة عشرة الكذب في القول واليمين

Text fromOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 9472taken 2026-10-21

وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب قال إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يخطب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا عام أول ثم بكى3:133

وقال إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار (1)

وقال أبو أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكذب باب من أبواب النفاق (2) حديث كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود من حديث سفيان بن أسيد وضعفه ابن عدي ورواه أحمد والطبراني من حديث النواس بن سمعان بإسناد جيد (3) حديث ابن مسعود لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه (4) حديث مر برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان الحديث وفيه فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة أخرجه أبو الفتح الأزدي في كتاب الأسماء المفردة من حديث ناسخ الحضرمي وهكذا رويناها في أمالي ابن سمعون وناسخ ذكره البخاري هكذا في التاريخ وقال أبو حاتم هو عبد الله ابن ناسخ (5) حديث الكذب ينقص الرزق أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أبي هريرة ورويناه كذلك في مشيخة القاضي أبو بكر وإسناده ضعيف (6) حديث إن التجار هم الفجار الحديث وفيه ويحدثون فيكذبون أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن شبل وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم المنان بعطيته والمنفق سلعته بالحلف الفاجر والمسبل إزاره (7)

وقال صلى الله عليه وسلم من حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة (8) حديث أبي ذر ثلاثة يحبهم الله الحديث وفيه وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البائع الحلاف أخرجه أحمد واللفظ له وفيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله ورواه هو والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد وللنسائي من حديث أبي هريرة أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف الحديث وإسناده جيد (9) حديث ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من رواية يهز بن حكيم عن أبيه عن جده3:134

وقال صلى الله عليه وسلم رأيت كأن رجلا جاءني فقال لي قم فقمت معه فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده فإذا مده رجع الآخر كما كان فقلت للذي أقامني ما هذا فقال هذا رجل كذاب يعذب في قبره إلى يوم القيامة (1) وعن عبد الله بن جراد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هل يزني المؤمن قال قد يكون ذلك قال يا نبي الله هل يكذب المؤمن قال {لا} ثم أتبعها صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} (2) وقال أبو سعيد الخدري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول في دعائه اللهم طهر قلبي من النفاق وفرجي من الزنا ولساني من الكذب (3) وقال صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر (4) حديث عبد الله بن عامر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال وما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة رواه أبو داود وفيه من لم يسم وقال الحاكم أن عبد الله بن عامر ولد في حياته صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة

وقال صلى الله عليه وسلم لو أفاء الله على نعما عدد هذا الحصى لقسمتها بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذابا ولا جبانا (5)

وقال صلى الله عليه وسلم وكان متكئا ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ثم قعد وقال إلا وقول الزور (6) وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد ليكذب الكذبة ليتباعد الملك عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به (7) وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة فقالوا وما هن قال إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف وإذا ائتمن فلا يخن وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم (8)

وقال صلى الله عليه وسلم إن للشيطان كحلا ولعوقا ونشوقا أما لعوقه فالكذب وأما نشوقه فالغضب وأما كحله فالنوم (9) وخطب عمر رضي الله عنه يوما فقال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيامي هذا فيكم فقال أحسنوا إلي أصحابي3:135

ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل على اليمين ولم يستحلف ويشهد ولم يستشهد (1) وقال النبي صلى الله عليه وسلم من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (2)

وقال صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان (3) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رد شهادة رجل في كذبة كذبها (4)

وقال صلى الله عليه وسلم كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة والكذب (5) حديث ما كان من خلق الله شيء أشد عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ولقد كان يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث لله منها توبة أخرجه أحمد من حديث عائشة ورجاله ثقات إلا أنه قال عن ابن أبي مليكة أو غيره وقد رواه أبو الشيخ في الطبقات فقال ابن أبي مليكة ولم يشك وهو صحيح (6) حديث أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك من الدنيا صدق الحديث الحديث أخرجه الحاكم والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عبد الله بن عمرو وفيه ابن لهيعة (7) حديث أبي بكر عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة وقد تقدم بعضه في أول هذا النوع (8) حديث معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية وقد تقدم //

وأما الآثار فقد قال علي رضي الله عنه أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري وقال عمر رضي الله عنه أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسما فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقا فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة وعن ميمون بن أبي شبيب قال جلست أكتب كتابا فأتيت على حرف إن أنا كتبته زينت الكتاب وكنت قد كذبت فعزمت على تركه فنوديت من جانب البيت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقال الشعبي ما أدري أيهما أبعد غور في النار الكذاب أو البخيل وقال ابن السماك ما أراني أوجر على ترك الكذب لأني إنما أدعه أنفه وقيل الخالدين صبيح أيسمى الرجل كاذبا بكذبة واحدة قال نعم وقال مالك بن دينار قرأت في بعض الكتب ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله فإن كان صادقا صدق وإن3:136

كان كاذبا قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا

وقال مالك بن دينار الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له كذبت فقال عمر والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه

بيان ما رخص فيه من الكذب

اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا

قال ميمون بن مهران الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلا سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل دارا فانتهى إليك فقال أرأيت فلانا ما كنت قائلا ألست تقول لم أره وما تصدق به وهذا الكذب واجب

فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا وواجب إن كان المقصود واجبا كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة

والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الرجل يقول القول يريد به الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها (1) وقالت أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا (2) حديث أسماء بنت يزيد كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصرا وحسنه وروي عن أبي كامل قال وقع بين اثنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت مالك ولفلان فقد سمعته يحسن عليك الثناء ثم لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا كاهل أصلح بين الناس (3) أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك (4)3:137

وروي أن ابن أبي عذرة الدؤلي وكان في خلافة عمر رضي الله عنه كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن فطارت له في الناس من ذلك أحدوثة يكرهها فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته أنشدك بالله هل تبغضيني قالت لا تنشدني قال فإني أنشدك الله قالت نعم فقال لابن الأرقم أتسمع ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال إنكم لتحدثون إني أظلم النساء وأخلعهن فأسأل ابن الأرقم فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها فقال أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه فقالت إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب أفأكذب يا أمير المؤمنين قال نعم فاكذبي فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب

وعن النواس بن سمعان الكلابي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة أو يكون بين الرجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها (1) وقال ثوبان الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلما أو دفع عنه ضررا

وقال علي رضي الله عنه إذا حدثتكم عن النبي صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة

فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك فيقول ما زنيت وما سرقت وقال صلى الله عليه وسلم من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (2)

وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا

وأما عرض غيره فبأن يسأله عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب فأما إذا تعلق بغرض غيره فلا تجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها3:138

محذورا حتى إن المرأة لتحكي عن زوجها ما تفخر به وتكذب لأجل مراغمة الضرات وذلك حرام وقالت أسماء سمعت امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل أضارها بذلك فهل على شيء فيه فقال صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور (1) وقال صلى الله عليه وسلم من تطعم بما لا يطعم أو قال لي وليس له أو أعطيت ولم يعط فهو كلابس ثوبي زور يوم القيامة (2)

ويدخل في هذا فنرى العالم لما لا يتحققه وروايته الحديث الذي لا يتثبته إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه فهو لذلك يستنكف من أن يقال لا أدري وهذا حرم ومما يلتحق بالنساء الصبيان فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا وعد أو عيد أو تخويف كاذب كان ذلك مباحا نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذبا ولكن الكذب المباح أيضا قد يكتب ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده فيه ثم يعفى عنه لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويتطرق إليه غرور كبير فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه وإنما يتعلل ظاهرا بالإصلاح فلهذا يكتب وكل من أتي بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا وذلك غامض جدا والحزم تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما لو أدى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان

وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلى الله عليه وسلم من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (3) وهذا لا يرتكب إلا لضرورة ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه وما هو جديد فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلى والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنا وعن جميع المسلمين

بيان الحذر من الكذب بالمعاريض

قد نقل عن السلف إن في المعاريض مندوحة عن الكذب قال عمر رضي الله عنه أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب وروى ذلك عن ابن عباس وغيره وإنما أرادوا بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الكذب فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ولكن التعريض أهون ومثال التعريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلل بمرض وقال ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله وقال إبراهيم إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء فيكون قوله ما حرف نفي عند المستمع وعنده الإبهام وكان معاذ بن جبل عاملا لعمر رضي الله عنه فلما رجع قالت له امرأته ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم وما كان قد أتاها بشيء فقال كان عندي ضاغط قالت كنت أمينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر رضي الله عنه فبعث عمر3:139

معك ضاغطا وقامت بذلك بين نسائها واشتكت عمر فلما بلغه ذلك دعا معاذا وقال بعثت معك ضاغطا قال لم أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك فضحك عمر رضي الله عنه وأعطاه شيئا فقال أرضها به ومعنى قوله ضاغطا يعني رقيبا وأراد به الله تعالى وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرأيت لو اشتريت لك سكرا فإنه ربما لا يتفق له ذلك وكان إبراهيم إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية قولي له أطلبه في المسجد ولا تقولي له ليس ههنا كيلا يكون كذبا وكان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه خط دائرة وقال للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا وهذا كله في موضع الحاجة فأما في غير موضع الحاجة فلا لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذبا فهو مكروه على الجملة كما روى عبد الله بن عتبة قال دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز رحمه الله عليه فخرجت وعلى ثوب فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا فقال لي أبي يا بني اتق الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريرا لهم عن ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة فيه

نعم المعاريض تباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة عجوز (1) وقوله للأخرى الذي في عين زوجك بياض وللأخرى نحملك على ولد البعير وما أشبهه وأما الكذب الصريح كما فعله نعمان الأنصاري مع عثمان في قصة الضرير إذ قال له إنه نعيمان وكما يعتاده الناس من ملاعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر يؤدي إلى إيذاء قلب فهو حرام وإن لم يكن إلا لمطايبته فلا يوصف صاحبها بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه

قال صلى الله عليه وسلم لا يكمل للمرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه (2)

وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها الناس يهوى بها في النار أبعد من الثريا (3)

أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح

ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله طلبتك كذا وكذا مرة وقلت لك كذا مائة مرة فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها بل تفهيم المبالغة فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب

ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام فيقول لا أشتهيه وذلك منهى عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد قالت أسماء بنت عميس كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي نسوة قالت فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت فاستحيت الجارية فقلت لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خذي منه قالت فأخذت منه على حياء فشربت منه ثم قال ناولي صواحبك فقلن لا نشتهيه فقال لا تجمعن جوعا وكذبا قالت فقلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعد ذلك كذبا قال3:140

إن الكذب ليكتب كذبا حتى تكتب الكذبة كذيبة (1)

وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب

قال الليث بن سعد كانت عينا سعد بن المسيب ترمص حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له لو مسحت عينيك فيقول وأين قول الطبيب لا تمس عينيك فأقول لا أفعل وهذه مراقبة أهل الورع

40 of 134

Translations

This translation is its translator’s, not Sabīl’s. It is shown as its source gives it, as a text of its own under each book with the translator’s own headings: it does not stand line for line beside the Arabic, and it keeps the faults of the copy it was read from. Sabīl has not checked it against the Arabic, and no scholar has reviewed it.

This is the Arabic text of al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn as the OpenITI corpus has it, from Shamela’s copy of the Dār al-Maʿrifa edition. Nobody has compared it with the printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. The corpus says that in some pages a part of the text is missing and that the editor’s footnotes are mixed with the text; both are shown as they stand. The pages of the printed edition are marked where they end. The translations are their translators’, each read from the copy named with it and shown as a text of its own under each book, with its own headings: none is set line for line against the Arabic, Karim’s English abridges the book as its translator says, and each keeps the faults of the copy it was read from. Sabīl has translated nothing, has not checked any translation against the Arabic, and no scholar has reviewed one.