بيان عظيم خطر اللسان وفضيلة الصمت
Text fromOpenITICC BY-NC-SA 4.0Shamela 9472taken 2026-10-21
اعلم أن خطر اللسان عظيم ولا نجاة من خطره إلا بالصمت فلذلك مدح الشرع الصمت وحث عليه فقال صلى الله عليه وسلم من صمت نجا (1) وقال صلى الله عليه وسلم الصمت حكم وقليل فاعله (2) بلفظ حكم بدل حكمة وقال غلط فيه عثمان بن سعد والصحيح رواية ثابت قال والصحيح عن أنس أن لقمان قال ورواه كذلك هو وابن حبان في كتاب روضة العقلاء بسند صحيح إلى أنس أي حكمة وحزم وروي3:108
عبد الله بن سفيان عن أبيه قال قلت يا رسول الله أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم قال قلت فما أتقي فأوما بيده إلى لسانه (1) وقال عقبة بن عامر قلت يا رسول الله ما النجاة قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك (2) وقال سهل بن سعد الساعدي
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة (3) وقال صلى الله عليه وسلم من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقي الشر كله (4) القبقب هو البطن والذبذب الفرج واللقلق اللسان فهذه الشهوات الثلاث بها يهلك أكثر الخلق ولذلك اشتغلنا بذكر آفات اللسان لما فرغنا من ذكر آفة الشهوتين البطن والفرج وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناسالجنة فقال تقوى الله وحسن الخلق وسئل عن أكثر ما يدخل النار فقال الأجوفان الفم والفرج (5) فيحتمل أن يكون المراد بالفم آفات اللسان لأنه محله ويحتمل أن يكون المراد به البطن لأنه منفذه فقد قال معاذ بن جبل قلت يا رسول الله أنؤاخذ بما نقول فقال ثكلتك أمك يا ابن جبل وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم (6) حديث عبد الله الثقفي قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به الحديث رواه النسائي قال ابن عساكر وهو خطأ والصواب سفيان بن عبد الله الثقفي كما رواه الترمذي وصححه ابن ماجه وقد تقدم قبل هذا بخمسة أحاديث (7) حديث أن معاذا قال يا رسول الله أي الأعمال أفضل فأخرج لسانه ثم وضع يده عليه أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا في الصمت قال أصبعه مكان يده (8) حديث أنس لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق بسند فيه ضعف (9) حديث من سره أن يسلم فليلزم الصمت أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو الشيخ في فضائل الأعمال والبيهقي في الشعب من حديث أنس بإسناد ضعيف (10) حديث إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تذكر اللسان الحديث أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه ووقع في الإحياء عن سعيد بن جبير مرفوعا وإنما هو عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد رفعه ورواه الترمذي موقوفا على عمار بن زيد وقال هذا أصح (11) حديث إن عمر اطلع على أبي بكر وهو يمد لسانه فقال ما تصنع يا خليفة رسول الله قال إن هذا أوردني الموارد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى الله عز وجل اللسان على حدته أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو يعلى في مسنده والدارقطني في العلل والبيهقي في الشعب من رواية أسلم مولى عمر وقال الدارقطني إن المرفوع وهم على الدراوردي قال وروي هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ولا علة له // وعن ابن مسعود3:109
أنه كان على الصفا يلبي ويقول يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم فقيل له يا أبا عبد الرحمن أهذا شيء تقوله أو شيء سمعته فقال لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه (1) وقال ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كف لسانه ستر الله عورته ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره (2) وروي أن معاذ بن جبل قال يا رسول الله أوصني قال اعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في الموتى وإن شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله وأشار بيده إلى لسانه (3) وعن صفوان بن سليم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق (4) حديث أبي هريرة من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت متفق عليه (5) حديث الحسن ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت والبيهقي في الشعب من حديث أنس بسند فيه ضعف فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وقيل لعيسى عليه السلام دلنا على عمل ندخل به الجنة قال لا تنطقوا أبدا قالوا لا نستطيع ذلك فقال فلا تنطقوا إلا بخير وقال سليمان بن داود عليهما السلام إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وعن البراء بن عازب قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دلني على عمل يدخلني الجنة قال أطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر فإن لم تطق فكف لسانك إلا من خير (6)
وقال صلى الله عليه وسلم اخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان (7) وقال صلى الله عليه وسلم إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله امرؤ علم ما يقول وقال صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقن الحكمة (8)
وقال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ثلاثة غانم وسالم وشاحب فالغانم الذي يذكر الله تعالى والسالم الساكت والشاحب الذي يخوض في الباطل (9) وقال صلى الله عليه وسلم إن لسان المؤمن وراء قلبه فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه وإن لسان المنافق أمام قلبه فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه (10) وقال عيسى عليه السلام العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت3:110
وجزء في الفرار من الناس وقال نبينا صلى الله عليه وسلم من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به (1)
الآثار كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام وكان يشير إلى لسانه ويقول هذا الذي أوردني الموارد وقال عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان وقال طاوس لساني سبع إن أرسلته أكلني وقال وهب بن منبه في حكمة آل داود حق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه حافظا للسانه مقبلا على شأنه وقال الحسن ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه وقال الأوزاعي كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رحمه الله أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ومن عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وقال بعضهم الصمت يجمع للرجل فضيلتين السلامة في دينه والفهم عن صاحبه وقال محمد بن واسع لمالك بن دينار يا أبا يحيى حفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم وقال يونس بن عبيد ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله وقال الحسن تكلم قوم عند معاوية رحمه الله والأحنف بن قيس ساكت فقال له مالك يا أبا بحر لا تتكلم فقال له أخشى الله إن كذبت وأخشاك إن صدقت وقال أبو بكر بن عياش اجتمع أربعة ملوك ملك الهند وملك الصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل وقال الآخر إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني وقال الثالث عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه وقال الرابع أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت وقيل أقام المنصور بن المعتز لم يتكلم بكلمة بعد العشاء الآخرة أربعين سنة وقيل ما تكلم الربيع بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة وكان إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا وقلما فكل ما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء
فإن قلت فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق وهتك العورات
فهذه آفات كثيرة وهي سيانة إلى اللسان لا تثقل عليه ولها حلاوة في القلب وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب ويكفه عما لا يحب فإن ذلك من غوامض العلم كما سيأتي تفصيله ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة فلذلك عظمت فضيلته هذا مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في الآخرة فقد قال الله تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}
ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر وهو أن الكلام أربعة أقسام قسم هو ضرر محض وقسم هو نفع محض وقسم فيه ضرر ومنفعة وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة
أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا تفي بالضرر
وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران فلا يبقى إلا القسم الرابع فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام وبقي ربع وهذا الربع فيه خطر إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجا يخفى دركه فيكون الإنسان به مخاطرا ومن عرف دقائق3:111
آفات اللسان على ما سنذكره علم قطعا أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم هو فصل الخطاب حيث قال من صمت نجا (1)
فلقد أوتى والله جواهر الحكم قطعا وجوامع الكلم (2) ولا يعرف ما تحت آحاد كلماته من بحار المعاني إلا خواص العلماء وفيما سنذكره من الآفات وعسر الاحتراز عنها ما يعرفك حقيقة ذلك إن شاء الله تعالى
ونحن الآن نعد آفات اللسان ونبتديء بأخفها ونترقى إلى الأغلظ قليلا ونؤخر الكلام في الغيبة والنميمة والكذب فإن النظر فيها أطول وهي عشرون آفة فاعلم ذلك ترشد بعون الله تعالى
Translations
This translation is its translator’s, not Sabīl’s. It is shown as its source gives it, as a text of its own under each book with the translator’s own headings: it does not stand line for line beside the Arabic, and it keeps the faults of the copy it was read from. Sabīl has not checked it against the Arabic, and no scholar has reviewed it.
This is the Arabic text of al-Ghazālī’s Iḥyāʾ ʿUlūm al-Dīn as the OpenITI corpus has it, from Shamela’s copy of the Dār al-Maʿrifa edition. Nobody has compared it with the printed book or a manuscript, and no scholar has reviewed it. The corpus says that in some pages a part of the text is missing and that the editor’s footnotes are mixed with the text; both are shown as they stand. The pages of the printed edition are marked where they end. The translations are their translators’, each read from the copy named with it and shown as a text of its own under each book, with its own headings: none is set line for line against the Arabic, Karim’s English abridges the book as its translator says, and each keeps the faults of the copy it was read from. Sabīl has translated nothing, has not checked any translation against the Arabic, and no scholar has reviewed one.